الغزالي

378

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى « 1 » قيل : نزع منها محبة الشهوات . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن بين خمس شدائد : مؤمن يحسده ، ومنافق يبغضه ، وكافر يقاتله ، وشيطان يضله ، ونفس تنازعه » فبين : أن النفس عدو منازع ، يجب عليه مجاهدتها . ويروى : أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود ، حذّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات ، فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة . وقال عيسى عليه السلام : طوبى لمن ترك شهوة « 2 » حاضرة ، لموعود غائب ، لم يره . وقال نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لقوم قدموا من الجهاد : « مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » قيل : يا رسول اللّه وما الجهاد الأكبر ؟ قال : « جهاد النفس » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المجاهد : من جاهد نفسه في طاعة اللّه عزّ وجلّ » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كفّ أذاك عن نفسك ، ولا تتبع هواها في معصية اللّه ، إذا تخاصمك يوم القيامة ، فيلعن بعضك بعضا إلا أن يغفر اللّه تعالى ويستر » . وقال سفيان الثوري : ما عالجت شيئا أشد عليّ من نفسي ، مرة لي ، ومرة عليّ . وكان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه : يا نفس ، لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ، ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين ؟ كأني بك بين الجنة والنار تحسبين يا نفس ، ألا تستحين ؟ وقال الحسن : ما الدابة الجموع بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك . وقال يحيى بن معاذ الرازي : جاهد نفسك بأسياف الرياضة . والرياضة على أربعة أوجه : القوت من الطعام ، والغمض من المنام ، والحاجة من الكلام ، وحمل الأذى من

--> ( 1 ) سورة الحجرات ، الآية : 3 . ( 2 ) الشهوة : رغبة شديدة فيما يشتهي الإنسان من الملذات المادية .